الرؤيوي الأسطوري

 

 الرؤيوي / الأسطوري

 

عبد القادر فيدوح ـ جامعة البحرين ـ كلية الآداب

 

 

        لقد أدركت الدراسات النقدية أن الوظيفة الرمزية التي تعامل معها الشاعر المعاصر تكمن في الصراع القائم بين وجود الشاعر وعالمه الداخلي، ضمن حركة فعل درامي، يومئ بحالات الانبعاث التي يسعى الشاعر إلى تحقيقها في صورة شخصياته الأسطورية، سعيا منه إلى محاولة إمكان وجود مسلك متألق يحدد به وجوده في الحياة، ويتحرر من قبضة عالمه الداخلي الذي يربطه بالعالم الأسمى، وهذا ما أوضحته الدراسات النقدية من خلال تعرضها لسفريات "السندباد " لدى بعض الشعراء المعاصرين في صورته التواقة، وهو يجوب مخاطر الذات في عالمها المتأمل عبر قناع نفسي يتعامل معه الشاعر، محاولة منه لتجاوز الواقع " وتشوفاً، في أخذة رابية، إلى عوالم أكثر رحابة وصفاء" يستقر وجوده فيها ، بحيث يطمح إلى أن يصبح في عالم جديد تسوده النظرة المثال، وَما تَسْتَرْسِل إليه الحياة بآمالها، في سبيل الحصول على مصدر التحرر والخصب، ينطلق فيه الشاعر لتجاوز محنته التي يرى فيها أنها تواقة، تبحر في قاع أعماق الوعي البشري، وربط ذلك بلحظة التجربة الآنية، وهذا ما فعله كثير من الشعراء المعاصرين الذين تقمصوا شخصية السندباد في قوته التعبيرية، الكامنة في ذات الشاعر، والتي يحاول أن يعيد خلقها على حسب ما تقتضيه التجربة الذاتية، ويغتبط فيها بفلجِ سعادة عامرة، وهي رحلة ضاربة بجذورها في التاريخ، ومرتبطة بأعماق اللاوعي ـ كما جاء ذلك في رأي أنس داود ـ من حيث كون الشاعر يجوس فيها " دروب نزعاته الخفية ويستجلي معالمه العميقة، ومن ثم يخيل إلينا أننا سنقف في القصيدة على متناقضات عالم العقل الباطن، ونجوس في سراديبه المظلمة، ونفاجأ بمفارقاته الصارخة والمزعجة" التي نستكشفها من خلال مخزونه المعنوي الذي يعد وجها مقنعا، يضفي عليه الشاعر أهمية خاصة، ويعبر من خلاله عن تجربته الذاتية.[1]

 

تتخذ الأسطورة أشكالا مترامية، وألوانا زاهية، وأبعادا متنوعة في الشعر العربي المعاصر عموما، انطلاقا من أن الأسطوري شكل من أشكال التعبير عن العالم والإنسان في علائقهما وتحولاتهما المستمرة. وبإمكان هذه الأشكال أن تتخذ طابع التغيير على الصعيد الدلالي، وليس على المستوى الشكلي [ الظاهراتي ]. ذلك أن المحمول الرمزي للشكل الأسطوري يتخذ أبعادا متعددة توحي بمدلولات جمة، على اعتبار أن الأسطورة انصهار في اللغة، وامتداد لكونيتها، بخلاف الرمز الذي لا يرتبط إلا بالسياق الوارد فيه " وحيث كان الرمز فرديا ذاتيا، راحت الأسطورة تبحث عن الوحدة والتقاء الوعي الفردي والجماعي باللاوعي الفردي والجماعي في آن"[2]، ذلك أن ما يميزها هو نزوعها الباطني نحو اختراق الآفاق المجهولة وتفجير مكامنها الخبيئة، وهي بذلك تمد الشعر "بالمطلق الأسطوري"، وتخصبه بالمتجدد من المعاني، والتصورات، والرؤى التي تعود على الحياة بمصداق الآمال.

 

لقد جاء استخدام الرمز الأسطوري ليجسد ملجأ الشاعر، وملاذه، إلى الإيماء بإلقاء ما يكتنه عالمه المتخفي، ومن ثم كان حُلُوله في هذه الأسطورة أو تلك مدعاة لاستجلاء المقاصد، وتصوير غور رؤاه الانبعاثية، عبر جملة من الوظائف الدالة، لعل أهما أن الأسطورة كانت شارةَ الشاعر المعاصر، تتحد معه اتحادا "فكريا" في نظامه الدلالي العام، على نحو ما جاء ـ على سبيل المثال ـ  في قول السياب[3]:

ليعوِ سربروس[4] في الدروب…
في بابل الحزينةِ المهدَّمة
ويملأ الفضاء زمزمة,
يمزق الصغار بالنيوب, يقضم العظامْ
ويشرب القلوب.
عيناه نيزكان في الظلامْ
وشدقُة الرهيب موجتان من مُدى
تخبئ الردى.
أشداقُه الثلاثةُ الرهيبة احتراقْ
يؤجُّ في العراق ـ
ليعوِ سربروس في الدروب
وينبش التراب عن إلهنا الدفين

وينبش التراب عن إلهنا الدفين

تموزنا الطعين ,

يأكله:يمص عينيه إلى القرار,
يقصم صلبه القوي ,يحطم الجرار
بين يديه, ينثر الورود والشقيق.
أواه لو يُفيق
إلهنا الفتيُّ, لو يبرعم الحقولْ,
لو ينثر البيادر النُّضار في السهول,
لو ينتضي الحُسام, لو يفجر الرعود والبروق والمطرْ
ويطلق السيول من يديه.آه لو يؤوب !!


لم تكن صورة "سربروس"(رمز البطش والقهر)  سوى صفة لتجسيد حالة أنطولوجية في إظهار واقعنا بما هو عليه، وبالمقابل كانت مدعاة للنوال المنشود، ببصيص أمل. وبما أن الشاعر الرائي هو من يدفعه نظره الخفي، واطلاع تخمينه الكشفي، إلى تجسيد صدق رؤاه وفق رغباته، فإن صورته الشعرية تأتي معبرة عن أسمى ما تتصوره الرؤيا الحدسية، فيتحد بذلك الأسطوري مع الواقعي مع الرؤيوي لتتشكل صورة " بلاغة الإمكان" كما في صورة "سربروس" التي عكست حال العراق فيما كان عليه، حين جسمه السياب، ومستقبله فيما أصبح عليه بعد الغزو الأمريكي في فعله المهلك، وليس هذا فحسب، وإنما قد تتعدى الصورة إلى كل من يشارك ضمير العراق معمولا به (إبادة)، ومأمولا له( إشعاعا). "فالكلب "سربروس " هو نفس الكلب الذي يجوب العراق من شماله إلى جنوبه حاليا وهو نفس العراق المهدم، و"سربروس" الذي يمزق أطفاله( بالنيوب ويقضم العظام) وينشر الخراب والمكان، هو العراق، ولبنان، وفلسطين، [والسودان] الحقول التجريبية فيما يتعلق بتحليل النص الشعري بانطولوجيا الحاضر، ويرى السياب أن التشخيص الدقيق لفلسفة الاختيار الأسطوري في اللحظة الراهنة، هو الشكل الممتد داخل أسس منهجية تندرج داخل النص الشعري، هذا المنهج الأسطوري هو الذي شكل حفريات المعرفة منذ البداية لدى السياب وهو التجسيد الحقيقي لما يحدث باختيار يمتد عبر التاريخ"[5]. 

ولعل ربط صوت "العواء" بسربروس ـ الكلب النابح ـ  يرمي إلى تلاؤم الصفة مع الدلالة، في إظهار الشراسة المتبوعة بالافتراس، والساعية إلى المكر والخديعة. وإذا كان السياب قد اختار مسميين لاسم واحد (العواء + الكلب) في ترميز "سربروس"، فلأنه أراد اقتران الطغيان بمسمى العواء[يدل نباح الكلب] في صورة تعاضدية، وفي المقابل أراد أن يضمن دلالة سربروس في صورة الاستخفاف بكرامة المسمى الترميزي للكلب في قيمه السلبية التي لازمت ناصية الطغيان والقهر من سربروس الذي ( يمزق الصغار/ يقضم العظام/يشرب القلوب/ عيناه زينكان/ يخبئ الردى / ينبش الرتاب/ يأكل العراق/ يمص عينه/ يقصم صلبه/ يحطم الجرار/  ينثر الورود والشقيق. كلها صور استعارية باستعمال أفعال في  حركة انسيابية، تبعث على السلب، والجور، والقمع، والاضطهاد، ومصدر معاناة لـ (بابل) الحزينة/ المهدمة/ الحضن الذي يأويه/ المثقلة بالآهات والحزن/ تغلغل الموت في دروبها/ تموزنا الطعين/ أه لو يُفيق. طلب مشحون بالتأوه، والتشكي، رغبة في الاستفاقة لميلاد عهد جديد، ملئ بالأيام الحبلى بالتفاؤل.

وبذلك يكون السياب قد رسم لنا عالما مرئيا في صورة استعارية قائمة على التضاد بين "سريروس" و"بابل الحزينة" ، وبقدر ما أثقل "سربروس" كاهل بابل في (تموزنا الطعين) بقدر ما كان يستشعر شارة البريق في وميض (أواه لو يُفيق !.) بسؤال متحزِّن، ومشحون بالألم والحسرة، ومشفوعا بالدعاء إلى الخير للعراق، شفقا، ورفقا به، من خلال ما صنعته بعض الصيغ التصويرية في تتمة القصيدة كما جاء في آخر صورها:

سيولد الضياء
من رحم ينز بالدماء
.

لقد كان الخيط الرابط في بصيرة السياب يسعى إلى محاولة إخراج أثر الفعل من الحدس إلى الثبوت، من خلال لواحق الإمكان التي كانت تلازمه في جميع قصائده، لكونه رائيا في علة العراق، وحاجته إلى الانبعاث في كل آن، وجعله تابعا لإمكان توقع استشراف المنار، مهما كان الثمن :  

....

فأبحث بين أكوام المحار، لعل لؤلؤة ستبزغ منه كالنجمه،
وإذا تُدمى يداي وتُنزَع الأظفارُ عنها، لا ينزّ هناك غيرُ الماء
وغير الطين من صدف المحار، فتقطر البسمه
على ثغري دموعاً من قرار القلب تنبثق
[6]

 

        تعبر مدلولات الأسطورة في الشعر العربي المعاصر ـ غالبا ـ عن قيمة إنسانية مفتقدة، أو حلم مضطهد، بالإضافة إلى كونها تكشف عن الحس المأساوي للذات الشاعرة من خلال التركيبة الدرامية للنص. فالشاعر مصطفى محمد الغماري، يحاول تفكيك أسطورة " هيلانا"[7] ، ويعيد صياغتها ضمن ما يتوافق مع تجربة معاناته الذاتية، بحثا عن المعادل الشعوري لإحساسه بتضاؤل قيمة الإنسان، وتلاشي كيانه في هذا الوجود. وبقدر ما يزداد هذا الوجود تشوها تزداد الهوة بينه وبين الذات التي ترغب في تجاوزه، وإعادة الصورة الحقيقية لجوهره المفقود. ومن ثم يكون الفارق المحسوس متجسدا بين الرغبة الطافحة في إعادة الذات إلى يقينها المطلق وربيعها الأزلي، وبين ما يعترضها من التشيؤ الذي آلت إليه الحياة، والذي أصبح الصورة المشوهة لوجود يبحث عن أبجديات لأحلامه الضائعة، وإجابات عن أسئلته المؤرقة.

 

        إن وعيا كهذا لا تتميز به إلا الذات المبدعة التي تسعى إلى خلق نوع من التوازن بين ظاهر الحياة العادية وقيمها الوجودية والإنسانية، رغبة في خلق وعي جديد للإنسان والعالم بكل قوة وفعالية، ولذلك فإن رمز "هلانا" الذي اعتمده مصطفى الغماري للتعبير عن أفكاره وهواجسه، ما هو إلا أيقونة  للتحرر من كل ما يغلّ الروح، ويقتل الوجدان، ضمن هذا الإطار يستحضر رؤيته الشعرية ليجسد من خلالها رؤياوية الذات التي ينشدها، ولا يستغني في ذلك عن الحس والمشاهدة:

تدور ...تدور أشواقي           إلى لقياك تبتهل

تلملم خصلة الأحلام مـــــن عينيك تكتحل

ففي عينيك ـ هيلانا ـ         ربيع مطلق أزل [8]

تكمن تلك الوحدة التي يبتغيها الشاعر ويغنيها بلحن أزلي، في توحده بقواه الداخلية( مصدر القوى الذاتية الكامنة في أعماقه) توحدا مطلقا وأزليا يعيد إلى الحياة ابتهاجها وربيعها " وعلى الإنسان لكي يصل إلى أسمى حالة أن يخوض التجربة ويجرع العناء...فالتجربة ليست حقيقية فحسب، إنما هي مرحلة ضرورية في سلسلة الوجود، وقد تكون في أكثر من طريقة حالة أدنى من البراءة كثيرا... ولكنها لا تقل ضرورة عنها"[9] فاشتباك التجربة بالبراءة هو محور الأبدية والموت، وهو كذلك محور الإنسان في بحثه الدءوب عن البديل الوجداني لعالمه الهشيم، والشاعر مصطفى الغماري يصدر هواجسه عن رؤيا دينية منبثقة من العقيدة الإسلامية، بحيث نستشعر نشوة الصوفي الذي يذوب حبا، وينبجس تولها في ذاته الإسلامية، وينغمس في كليتها متأملا ورائيا :

ويزدرد الظلام الأحمر المجنون في أمسي

أما انبثقت ينابيع الضياء الحر من أمسي ؟

أما غنى بموال رخيم النبر ...والهمس؟

أما اكتحلت مآقيه بأضواء الهوى القدسي؟

أما سافرت هيلانا ...على أبعاده اللعس؟

وكم غناك  ـ هيلانا ـ وكان غناؤه عرسي...

 

        فهذه الـ" هيلانا " تتراءى للشاعر متوجة بالأضواء المقدسة، والمتوجة بالغناء العذب، ومتّشحة بالجمال الإلهي، كأنما هي انبثاق للجوهر الكلي للروح، وسرّ روحانيته التي طالما ينشدها بقلبه، وكيانه، ووجدانه، ولاشك في أنه يوجه مساره ليكون وسيلته في الخلاص إلى المعتقد، وعونه في حصول التجربة واستكمالها، بحيث يتلمس فيه إشباعه النفسي، والروحي، والفكري، وارتباط كل ذلك بحياة الشاعر الداخلية وما يعتلج فيها من دلالات.

 

ولم يكن الشاعر روحانيا ولكن طبيعة الرؤيا التي يصدر عنها فيضه، تمنحه القدرة للتمكن من تصوراته التي يضمنها وعيه في الحياة:

 

                يضم الله فاصلة...تعطر دربنا الصادي

                وأنت أنا ... على شفتيك يا هلانا أورادي

                وملء يدي جدائلك الوضاء تلم أبعادي

 

هذا التوحد بين ذات الشاعر و" هيلانا" التي يرمز بها إلى روح العقيدة الإسلامية ما هو إلا ذلك الوجد الصوفي العميق الذي تلتحم فيه المشاعر بالفكر، ولا شيء يلم شتات الروح غير ذلك الحس الواجم في مشهده الأليم بين قوى الشر العاتية ، وقوى  الخير المتجذرة في أعماقنا.

 

كما يغوص الشاعر إدريس بوديبة بمخيلته في تخوم الذاكرة الجماعية، لكن هذه المرة يلتفت إلى الموروث الشعبي للهضاب العليا محاولا بذلك امتصاص دلالات تتصل برموز الخصب والامتلاء، موغلا في ذاكرة الوشم والنخيل، والمسك، والخلاخل، حيث المرأة هي التيمة السيميولوجية التي تستولي على المشاهد انطلاقا من قصة " الأزرق ملول " الشعبية التي يعيد الشاعر توظيفها دلاليا، وبنائيا، لتكون المرأة التي يعشقها وتسيطر على مشاعره، وتسبي عواطفه، هي حواء التي تخرج من أضلعه، وهي الحياة التي يبعث من رمادها، وهي الأرض التي تمنحنا الزرع والعشب والظلال، وهي عشتروت التي يعاني معها مخاض الولادة، وهي في أبسط رموزها الحبيبة التي يتيم بها ويشتاق إليها، ويحن إلى ظفائرها الخرافية التي تطوقه بها، وهي أيضا الفضاء المسكون بالرعشة والبراءة الأولى.

 

                في غيمات الحلم المحتشد حريرا وغموضا

                امرأة تفاجئني كل يوم!...

                وتفرش لي صورتها والخلائل:

                عند المغيب...[10]

        السرّ، إذاً، يكمن في هذا الغموض الأنثوي الذي يأتي فجأة بالأحلام السحرية، والمرأة هنا هي رمز للطبيعة الغامضة التي تغري بالتأمل والتساؤل.

                وبين صحوي ونومي

                تبدأ رحلتها ...

                في حقول البهاء الجليل

                امرأة تعذبني بالهديل

                وبالكحل الغنج

                 أنت يا امرأة ندمي ؟

                أم أنت أجراس البداية والنهاية والبديل؟

 

وما بين حالة الحضور وحالة الغياب تتبدد المرأة / الأنثى، وتولد المرأة / الرمز، وتبدأ رحلتها الأسطورية، فتتقمص الحقول الخضراء ومواسم الفرح والنخيل، وتهدل بالعذاب والندم، ولا تعلن أبدا عن البدايات الأزلية التي يسعى الإنسان إلى ملاقاتها والتوحد بجلالها، ولا عن اليوتوبيات الساكنة في قرار الأبدية. غير أن الشاعر يكثف من موقفه الشعوري إزاء هذا الرمز بكل محمولاته، فكما أن للطبيعة طلاسمها التي لا تدرك، كذلك للمرأة أنفاسها التي تلفح. ومما يبدو أن رمز " الأزرق ملول " يتشكل في المخيلة بألوان قزحية تستولي فيها صورة: المرأة/ الأرض على أفق الشاعر الرؤيوي، وتعطي أقصى ما في طاقاتها الإيحائية من رموز ذات دلالات:

                وجهي يتدحرج مثلك

                فوق حصاد الزرع المذبوح

                أيهذا الأزرق ... يا ملول !...

                كنا نبكي في قارعة الشوق

                ونطوق زندها

                بعناقيد الدمع الأزرق

                ونساقط أمواجا ...أمواجا ...

في عينيها العشبيتين معا

كانت الريح تشكلنا للدهشة

وسحابات المسك

وتقلدنا شجرا

من ربيع البوادي البعيدة

لم نكن ندرك شيئا...

كنا منسجمين

 

إنه امتزاج حاد بين المرأة الأنثى / والمرأة الأرض، وبين حصاد الأرض، وحصاد القلوب، وتوحد مطلق بين الأنا والجذور. فالمرأة تمطر الشاعر بالمسك والدهشة، والأرض تمطره بالحنين وتشده بفيء الشجر، والإنسان في طبعه مجبول على حُب الأنثيين لارتباطهما الشديد بالنسل والخصوبة. أضف إلى ذلك أن غريزة العودة إلى الرحم ملازمة لشعور الإنسان بالخوف ورغبته في ولادة متجددة.

 

        تستيقظ فينوس من غيهب النعاس، من رمادها؛ لينهض " الأزرق ملول " ، وتبعث فيه نبض الحياة، وتمده بتجلي الضياء الدافئة، وإشراقة الأمل في انبثاق فجر يتجه نحو الشمس، معلنا عودة الدفء واليخضور، وتغريدة شحرور الوادي في دنيا الحريةـ تيمنا بدنيا الحرية:

 

                وأنهض من جسد الرماد

                وأختلط بعناصر جسمها

                في بحة الصوت

                وأشلاء الحقول

                        ستلقاها عائدة إليك

                        طيرا أبيضا

                        ووقتا جاهزا

                        ومناخات مطهية بأسراب الغمام  

 

وهكذا تأتي نبوءات الشاعر وعدا بالخلاص، وإيذانا بالبعث، يبدد الإحساس المزمن بالمرارة، وينفتح القلب على تشوف قزحي يلون الدنيا بأفراح الطفولة، ويخصبها بحَبّ الغمام، ويُمْرِعُهَا يخضورا، حيث تورق أغصان الأمل، معلنة بشرى الولادة المنتظرة. وعلى الرغم من أن التجربة الشعرية تختصر معاناة الكيان البشري، وتعكس تجربة الحياة التي تتكرر في بنية درامية بين رغبة الذات في التغيّر، وقصور الإرادة في التحرر من وطأة الواقع، على الرغم من ذلك فإن غريزة التطلع والبحث عن عالم أسمى، تتنامى في أعماق هذه الذات وتملي عليها مزيدا من الدهشة والمغامرة.

 

ولعل أسطورة " السندباد " رمز الاكتشاف، والبحث عن عوالم الامتلاء والخصوبة، قد ألهمت الشعراء، بوصفها المعادل الموضوعي لإشراقات رؤيوية. رؤيا البعث المنتظر، مقابل واقع هش ومتآكل.

 

وإذا كانت صورة "السندباد" لدى خليل حاوي قد سلكت رؤيا الانبعاث المتجدد نتيجة وعيه الحاد بأزمة الواقع المتصلب والمنحدر إلى الهاوية بحيث " يكون ذلك الوعي بداية حقيقية للتحول لأنه رفض للواقع الفاسد وثورة عليه وسعي لتحقيق الخلاص" [11]، إذا كان الأمر كذلك لدى خليل حاوي فإنها قد اتخذت صورة التغرب، والنفي، والترحال، لدى الشاعر الجزائري بلخير عقاب، وما هي إلا غربة السندباد الذي طوقته عتمات مجهولة ظل يمخر عباب البحر من مدّ إلى مدّ، ومن بعد إلى بعد، ولاشيء غير الرحيل نحو ضياع أدبي، إنها مرثية الواقع التي يجسدها الشاعر بحزن ومرارة:

                وأنا أرحل في عينيك ملقى

                وسط شطآن عميقة

                وأنا أمضي على صفحة مرجان

                أغني شكل مرساتي الغريقة [12]

 

في حين جاءت صورة "سندباد" خليل حاوي أكثر قتامة لواقع معتل؛ الأمر الذي طبع في صدر كل مواطن عربي ضيما غائرا، بعد أن خذلته الآمال ، وغُيِّب فيه كل رجاء ، وليس له إلا علك الحسرة، والامتعاض ببلع الريق، كما في قوله: 

 

 

عاينتُ في مدينةٍ

تحترفُ التمويهَ والطهاره

كيف استحالتْ سمرةُ الشمسِ

وزهوُ العمرِ والنضارهْ

لغصَّةٍ, تشنُّجٍ, وضيقْ

عبرَ وجوهٍ سُلختْ من

سورها العتيقْ،

عاينتُ في الوجوهْ

وجهَ صبيٍّ ناءَ بالعمرِ

الذي أتلفَهُ أبوهْ

وأَطعمَ الجوعَ من الأفيونِ

رؤْيا خلَّفتهُ يعلكُ اللِّجامْ  

 
 



 

 



 



       
 

الصفحة الرئيسية  - دراسات - رسائل وأطروحات - محاضرات - متابعة نقدية - بطاقة التعريف - كتب