التأويل البرهاني والنسق العقلي

 

لم يقتصر انتقاد ابن رشد على آراء المتكلمين فيما وقعوا فيه من أخطاء باستخدامهم الجدل الكلامي ، بل تجاوز ذلك إلى انتقاده أيضا أهل الظاهر الذين نظر إليهم نظرة ازدراء ، لأنهم أخذوا الأحكام من ظاهر النص بحسب ما ورد في القرآن والسنة ، مبعدين في ذلك القياس والإجماع ، على اعتبار أنهما لا يفيدان اليقين بقدر ما يميلان الى الظن والتخمين ، وهذا محال في نظرهم .

كما ان عقلانية ابن رشد ، باستعماله التأويل أداة للتحليل ، ليست نفسها التي اتبعها ابن سينا الذي يعد أكثر حرفية في فلسفته التي قادته إلى المجهول ، ولا هي آلية ابن طفيل الذي انتهى به الأمر الى طلب الخلاص في المعرفة الصوفية بعدما نالت طموحاته في حي بن يقظان ردود فعل سلبية من عامة الناس الذين فضلوا التعامل مع حرفية الإيمان .كما أنه يختلف عن الغزالي الذي جوَز التأويل لأهل الجدل والخطابيين ، وسبب ذلك كما تشير الدراسات إلى إبطال الظاهر وإثبات المؤوَل ، وهذا ما قد يجر صاحبه إلى الكفر . فعلى العكس من ذلك إن ابن رشد استطاع التحكم في مقدرته الإبداعية من اتخاذ التأويل وسيلة " تطابق مع أوامر العقل من أجل فهم العالم الطبيعي . ومن ثم فإن التأويل السري للقرآن يفضي إلى الكشف عن رؤية كونية علمية استنادا إلى العلم الطبيعي ، والميتافيزيقا ، والفلسفة السياسية ، وهكذا يكون (التأويل) عند ابن رشد مضادا لمعناه من سبقوه من الفلاسفة وعلى الأخص ابن سينا ."1"
 

 
 
 



 

 



 



       
 

الصفحة الرئيسية  - دراسات - رسائل وأطروحات - محاضرات - متابعة نقدية - بطاقة التعريف - كتب