التأويل بالدراية

 

لقد كان الصراع حادا بين أهل التدبر و أهل الرأي ـ في مجال تأويل النص الديني ـ مما أوجد مجالا أوسع لتبني الكلام و المنطق، محاولة لتكريس عملية الإقناع بالحجة و البرهان العقلي. و قد استغل علماء مذهب الرأي الذين اعتمدوا الدراية منهجا لهم تزييف الواقع الفقهي من خلال إحلال الرأي بديلا عن التأويل الصحيح بالتدبر، بعد أن سادت ثقافة الذاكرة، مما أدى إلى بروز الخلاف بين المذاهب، فاحتد النقاش واحتدم الجدل، وعم الشعور بضرورة تبني مناهج الرأي، نظرا للازدهار الذي شهدته مدرسة الرأي بخروجها من بدايتها الفطرية الساذجة، ثم بقيام الدويلات المذهبية التي اهتمت بالفكر والعلم وشجعت أهله، مما عزز وتـيرة الحـوار والتنافـس والحرب الكلامية الدائرة بين المذاهب على اختلافها، والتي مثلت صراعا ضاريا. ففي القرن الرابع شهد لكل مذاهب المتكلمين دعاة وأنصارا وأتباعا يتجادلون ويتناظرون، وكان لهذا الصراع الفكري أبعد الأثر. فلم تبق دعوة إلا عرفت، و لا فكرة إلا استجليت و لا وسيلة دفاع أو هجوم إلا لقي بها في ميادين المساجلة و المناظرة، فكان لزاما على رجال كل مذهب أن ينشطوا للذود عنه وإعطائه صفة القدرة على البقاء.

 
 
 



 

 



 



       
 

الصفحة الرئيسية  - دراسات - رسائل وأطروحات - محاضرات - متابعة نقدية - بطاقة التعريف - كتب