التأويل بين النقل والعقل

 

جاءت فرقة الأشعرية نسبة إلى صاحبها أبي الحسن الأشعري (260 873هـ) في وقت اشتد فيه النشاط العلمي، و احتد الصراع الفكري بالمناظرات و المماحكات بخاصة في مسألة خلق القرآن التي تبناها المعتزلة، ونفرت كثيرا من أنصارها، و كان الأشعري سنيا على مذهب أهل الحديث، قبل أن يصبح معتزليا، منبحرا في علم الكلام من أستاذه الجبائي الذي تتلمذ عليه ، ثم ما لبث أن تفوق عليه في مناظرات كثيرة. و بعيدا عن المزايدات التي قيلت بشأن تحوله عن عقيدة الاعتزال تبعا للروايات المختلفة و الكثيرة سواء برغبة كراهية الشـعب للمعتـزلة بمناظراتـهم المجحفة في كثيـر من الأحيـان، واستغلال الأشعري هذه الكراهية أم بما حيك حوله من تعليلات لأغراض شخصية ، مفادها أن تحوله هذا ليس إخلاصا للشريعة بقدر ما كانت رغبته في لفت الأنظار إليه ، بعيدا عن كل ذلك فقد أجمعت الدراسات على أن الأشعـري لو ظل معتزليا فإنه لن يحظى بمكانة متميزة ، بخاصة و أنه بدأ يـتفوق علـى أستاذه ورفقائه ، فحول تيار حياته إلى الجهة التي يستطيع أن يظهر فيها(1)، أضف إلى ذلك أنه استطاع بفضل مكانته العلمية وذكائه الوقاد أن يستميل قلوب عامة الناس ، فضلا على أن غاية ما في الأمر أن الأشعري كان يهتم اهتماما شكليا بعض الشيء بأن يحسن التدبير حتى يمسي خصومه هم الذين يطرحون أسئلتهم عليه ، فيصبح هو كالمدافع عن ذاته . ولم يعرف في مقاومته هوادة . وهو الذي أعلن أيضا في مواقف عديدة انفصاله عن الذين كانوا بالأمس أصحابه فوقف يوما في الجمع المحتشد في جامع البصرة ونادى بأعلى صوته : " كنت أقول بخلق القرآن وأن الله لا تـراه الأبصار، وأن أفعال الشر أنا أفعلها ، وأنا تائب مقلع ، معتقد للرد على المعتزلة ، مخرج لفضائلهم ومعايبهم"(2).

 
 
 



 

 



 



       
 

الصفحة الرئيسية  - دراسات - رسائل وأطروحات - محاضرات - متابعة نقدية - بطاقة التعريف - كتب